في التشيّع الأموي

ثمّة دوافع قوية لرفض «الشيعية السياسية» من منظور مشروع بناء اليسار العربي ذي القواعد الصلبة الشعبية والعمّالية والمناهضة للإمبريالية. نشأت هذه الشيعية في السياقات الانهيارية لحروب الحقبة المتأخرة من الحرب الباردة، والتي مثّلت انتقالاً من النزاعات الأيديولوجية بين الرأسمالية والاشتراكية وبين الاستعمار ومقاومته، إلى حروب جديدة إثنو-قومية. في هذه الظروف الموضوعية ظهرت «شيعية المحرومين» في الحرب الأهلية اللبنانية و«شيعية الحرب الشعبية» في الحرب الإيرانية-العراقية.
ليس من التواضع المعرفي إدانة استحضار ذكرى شهداء كربلاء في فتن نهايات التاريخ تلك، لأن الشيعية السياسية لم تكن بتراجع اليسار العالمي إلا واحدة من شيعيات (أي فرق) كثر، أولاها سنّية الهوى. لكن إشكاليات الشيعية السياسية تنبع من طبيعة العقائد المرتكزة على قصص الشهداء الملحمية. أولاً، بالإمكان استغلال تلك السرديات لغايات غير حميدة. الكثير من «كربلائيات» التاريخ، أي أحداث الظلم العظيم، باتت مفيدة لتبرير تصرفات النخب السياسية لغاية تكريس الظلم في أماكن أخرى.
من استغلال صلب المسيح لاضطهاد اليهود في العالم المسيحي إلى المحرقة اليهودية المستغلة بفظاعة من قبل الصهاينة، إلى تجارة العبيد الأفارقة عبر الأطلسية التي باتت «كربلاء» الحزب الديمقراطي في أميركا. ليس صعباً أن ينتج هذا الاستغلال أشكالاً طالحة من الشيعية السياسية، مثل تلك التي احتفت بالغزو الإسرائيلي للبنان عام 1982 وتلك التي ساهمت بتغيير النظام في العراق عن طريق التدخل الخارجي الأميركي.
من ناحية أخرى، الأيديولوجيات التي تبني شرعيتها على قصص الشهداء قد تخلق بيئة غير ناضجة تمنع ممارسة السياسة بدلاً من تعميم سردية نبيلة لشهداء ماتوا في سبيل الحق بممارستها. على سبيل المثال، إعدام سيد قطب، شكّل جرحاً نرجسياً في فكر «الإخوان المسلمين» بشكل صعّب النقاش مع الجماعة؛ تأسيس الجمهورية العربية المتحدة…؟ إعدام سيد قطب. الإصلاح الزراعي…؟ إعدام سيد قطب. بناء سد النهضة…؟ إعدام سيد قطب. تأميم قناة السويس… إعدام سيد قطب.
الإسلام السياسي الشيعي العالم-ثالثي، لا يندرج كظاهرة ضمن الشيعية السياسية بمفهومها الضيق أعلاه بقدر اندراجه ضمن ظاهرة الإسلام السياسي على العموم. هذا يعطيه خصائص ومخارج تجعله يتفادى أخطاء الشيعية السياسية، أولها الوعي بالحاجة إلى أسس مادية راهنة للشرعية غير قائمة فقط على الذكرى الكربلائية، كتوفير النموذج التنموي البديل العالم-ثالثي لحكم الشاه، والانخراط الجهادي المباشر بالمعركة ضد الإمبريالية. ثانياً، الوعي بالحاجة إلى التقية، بعيداً عن تعريفها الاستشراقي الخاطئ والقائم على الخداع والمواربة. نتحدّث هنا عن التقية المداراتية، أي التفكير بالمستقبل بدلاً من الماضي، والمساومة والمرونة في سبيل إعطاء الأولوية لممارسة السياسة في المجتمع الواحد.
هذه الخصائص مع ذلك لم تسعف الإسلام السياسي الشيعي في الساحة السورية، حيث أحلى الخيارات فيها شديد المرارة. هنا انتقلنا من الشرعية العالم-ثالثية وعدنا إلى الشرعية الكربلائية، ومن التقية والمداراة إلى الفتنة، وهنا قاتل شباب الجنوب اللبناني في «حرب على الإرهاب» هي-هي (بتحذير أسعد أبو خليل) ارتدّت لتقتصّ من قادتهم في العام السابق. على نسق مآلات جبهة العراق «الشرقية» في إيران في الثمانينيات، فإن جبهة حزب الله «الشرقية» في سوريا كانت -بالإضافة للحقن الطائفي الخليجي والتركي- أحد عوامل إنشاء فرقة مذهبية جديدة تعادي الحزب وتبني شرعيتها على قصص شهداء الثورة السورية، بينما تحيل شهادتهم في سبيل رفع اسم بني أمية الذين «أصلهم من ذهب».
هذا تشيّع أموي بامتياز، يخلق مظلومية أموية مزيّفة على ظهر ثورة عادلة قامت ضد نظام عربي أوليغارشي أمني (أكثر أموية من الثائرين ضده كما يقول أحمد ضياء دردير).
بناء التشيع الأموي شرعيته على قصص الشهداء والمعتقلين يناقض مبدأ التقية، فتغيب أسئلة السياسة الراهنة وعلى رأسها سؤال «التقية المفرطة» لحكام سوريا الجدد تجاه الغزو الإسرائيلي.
قد يكون جواب البعض هنا أن العداء لإسرائيل كذلك قائم على نرجسية تبني شرعيتها على استحضار ذكرى «شهداء القدس» وتطلب من العالم العربي كله التوقف عن العيش من أجلهم. هذا تحليل منقوص، يعجز عن وصف مبادئ «لا تصالح» بالصراع العربي الإسرائيلي، والتي لا تتعلق بالمرارة والحسرة على شهداء الصراع أو الهزيمة، أو عن عناد وحماقة على حد تعبير المطبّعين العرب. جمال عبد الناصر واليسار المصري كانا لديهما مشروع حقيقي، وكانا يقرآن عالم حقبتهما وأقطابه لا عالم الفتن القديمة، وكانا يعرفان أن المصالحة مع إسرائيل وأميركا تعني الاستباحة والجوع. قصيدة أمل دنقل لا توصينا فحسب برفض المصالحة لما فقدناه في الماضي، بل لما سنفقده في المستقبل: «لا تصالح، ولو قيل ما قيل من كلمات السلام… كيف تنظر في عيني امرأة، أنت تعرف أنك لا تستطيع حمايتها؟ كيف تصبح فارسها في الغرام؟ كيف ترجو غداً... لوليد ينام؟ كيف تحلم أو تتغنى بمستقبلٍ لغلام، وهو يكبر بين يديك بقلب مُنكَّس؟».
في النهاية، فإن أهم سبب لرفض الشيعية السياسية هو مساهمتها في إعادة إنتاج ظاهرة أمقتها شخصياً؛ السنية السياسية. في لبنان، أنست هذه الظاهرة أجيالاً كاملة من اللبنانيين هي ثورة 1958 المباركة ضد النظام الفاشي المستقوي بالمارينز، وغرّرتهم بدلاً من ذلك بالاحتفاء بصدام حسين «أسد السنّة»، وكأن صدام -صاحب طموح زعامة الأمة- كان ليكون «فاضي لهم» ولأوهامهم النرجسية بأن يكون «زعيماً بديلاً» لنجيب ميقاتي.
أمّا في فلسطين، فقد أدّت هذه الظاهرة إلى عدة تشوهات، بدءاً من تخلي الكثيرين في «فتح» عن الوحدة العربية كما هي معرّفة في الميثاق الوطني لمنظمة التحرير وانتقالهم إلى «سبوبة» السنية «المعتدلة» على المقاس الخليجي، وصولاً إلى السنية السياسية لمجلة «متراس» التي نعت استشهاد قادة «الطوفان» أثناء الحرب بينما تفادت نعي استشهاد قادة الإسناد (ربما هذا النعي بناءً على بطاقة الهوية لأن «متراس» أوسع حكمة ودراية من خليل الحية و«حماس»).
دوري الأبطال الطائفي المَقيت في منطقتنا أخرجنا من عروبتنا وإسلام عبادتنا ومعاملتنا ووضعنا في فرق كرة القدم الأنثروبولوجية الموزّعة ما بين سنّة الاتفاقيات الإبراهيمية وسنّة «الناتو» وشيعة «السكاي-نيوز» وشيعة «العربية».
* كاتب فلسطيني
